قالت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية إن كشف الإمارات العربية المتحدة عن التواجد العسكري المصري على أراضيها أثار اتهامات من بعض المحللين العرب بأن أبو ظبي تعمدت إحراج مصر "لخلق الفوضى" و"تضليل المنطقة".
وأضافت: "بغض النظر عن دوافع الإمارات، فقد كشف هذا الأمر عن تناقض استراتيجي في صميم السياسة الأمنية المصرية، وهو أمر لا يهم مصر ودول الخليج فحسب، بل إسرائيل أيضًا".
ترسيخ مكانة مصر في منطقة الخليج
وتابعت الصحيفة في تحليلها: "تسعى مصر إلى ترسيخ مكانتها كمزود أمني لا غنى عنه في منطقة الخليج، مع تجنبها بحرص أي اندماج رسمي مع البنية الدفاعية الإقليمية التي من شأنها أن تجعل مساهمتها متماسكة استراتيجيًا. وتتمحور هذه البنية حول دمج القيادة الأمريكية وإدماج إسرائيل الكامل في البيئة العملياتية للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) منذ عام 2021. وهذا تحديدًا هو الإطار الذي ترفض مصر الاعتراف به علنًا".
وأردفت: "والنتيجة هي عملية نشر مفيدة من الناحية التكتيكية ولكنها غير مكتملة من الناحية الاستراتيجية، مما يترك الثغرات الأكثر أهمية في الردع الإقليمي في المكان الذي تحتاج فيه إلى سدها بالضبط".
ورأى أن "الدوافع وراء هذا الانتشار حقيقية. فقد شهدت دول الخليج تراجع الدعم الأمني الأمريكي. وشنّت إيران هجمات متكررة ومتطورة على البنية التحتية في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية. وسعى مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، بهدوء إلى إقامة علاقات دفاعية تكميلية مع جيوش عربية قادرة. وقد أرسلت كل من مصر وباكستان والمغرب معدات دفاع جوي وأفرادًا إلى السعودية والكويت والإمارات".
المقاتلات المصرية وأسراب الطيران الإيراني
وفقًا للصحيفة، "تُوفّر الطائرات المقاتلة المصرية قدرةً حقيقيةً لمواجهة أسراب الطائرات المسيّرة التي تُشكّل أداة إيران القسرية الرئيسة ضد البنية التحتية لدول الخليج. تحتاج دول الخليج إلى أنظمة صواريخ أرض-جو وأصول جوية قادرة على اعتراض المنصات المسيّرة، ومصر قادرة على توفير كليهما. وتستضيف المملكة العربية السعودية القوات الباكستانية بموجب ترتيب مماثل".
وأوضحت "معاريف" أن "الصورة الإقليمية هي صورة دول عربية تقوم بهدوء بتجميع بنية أمنية مرقعة للتعويض عن عدم موثوقية الولايات المتحدة المتصورة".
لكنها رأت أن "منطق هذا الانتشار يقود إلى وجهة ترفض مصر اتباعها. ففي يونيو 2022، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن مسؤولين أمريكيين عقدوا اجتماعًا سريًا في شرم الشيخ بمصر، جمع كبار الضباط العسكريين من إسرائيل ومصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر والبحرين لتنسيق الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمي ضد التهديدات الإيرانية".
وقّعت مصر رسميًا مذكرة اتفاقية التوافقية الأمنية والتشغيلية للاتصالات (CISMOA) مع الولايات المتحدة في يناير 2018. تهدف المذكرة إلى تأمين أنظمة الاتصالات وإتاحة الوصول إلى تكنولوجيا عسكرية أمريكية متقدمة، وتسهيل التشغيل البيني بين القوات المصرية والأمريكية.
وعندما انتقلت إسرائيل من القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عام 2021، دخلت في نفس البيئة العملياتية التي تعمل فيها مصر بالفعل.
وأشارت الصحيفة إلى أن البنية الأساسية لشبكة دفاع جوي إقليمية حقيقية، من شأنها أن ترفع تكلفة أي حملة ضربات إيرانية في الشرق الأوسط بشكل كبير، موجودة بالفعل. ومصر جزء منها بالفعل، سواء اعترفت الحكومة بذلك علنًا أم لا.
وقالت إن "ما ترفضه مصر هو السماح لهذا الاندماج الجزئي بالتطور. فالحكومة المصرية تعتبر أي تلميح إلى تنسيق عملياتي مع إسرائيل عبئًا لا تستطيع تحمله داخليًا أو إقليميًا. ويشعر السيسي بالقلق إزاء الرأي العام المصري، وتداعيات التحالف مع إسرائيل، ورد فعل إيران".
تفهم إيراني لطبيعة علاقة مصر مع الخليج
ونقلت وسائل الإعلام المصرية عن مصدر دبلوماسي إيراني رفيع المستوى قوله إنه يطمئن مصر بأن طهران "تتفهم طبيعة علاقة مصر مع أشقائها في الخليج" وأنها تعارض فقط دعم العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. هذا تحذير مُقنّع بروح التفاهم.
لكن المشكلة كما تقول الصحيفة تكمن في أن المشاركة الجزئية في بنية الردع ليست موقفًا وسطيًا مستقرًا. إذ يدرك المخططون الاستراتيجيون الإيرانيون تمامًا أن مصر لن تطلق النار على القوات الإيرانية، ولن تشارك المعلومات الاستخباراتية التي تمر عبر نقاط اتصال تشمل الأنظمة الإسرائيلية، ولن تسمح بدمج أصولها المنتشرة في هياكل القيادة المشتركة التي تضم إسرائيل.
وبذلك، رأت الصحيفة أن القوات المصرية في الخليج توفر قدرة دفاعية محلية، بينما يبقى الإطار المتكامل غير مكتمل في المواضع التي تكتسب فيها التكاملية أهمية بالغة. ويسمح هذا الإجراء الاستراتيجي الجزئي لإيران بمواصلة اختبار دفاعات الخليج بثقة محسوبة، لعلمها بأن مصر قد وضعت سقفًا فعليًا للتصعيد الإقليمي دون المستوى الذي من شأنه أن يردع طهران رداً قاطعاً.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن التداعيات مباشرة، بحسب التحليل. يُمثل توسيع دور القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة، وإشراك الجيوش العربية بهدوء في مناقشات الدفاع الجوي المشترك، أحد أهم التطورات الهيكلية في أمن الشرق الأوسط منذ سنوات.
وأوضحت أن مشاركة مصر، حتى وإن كانت ضمنية وغير معلنة، تُضفي طابعًا طبيعيًا على مستوى من التنسيق الدفاعي الإسرائيلي العربي كان غير وارد قبل عقد من الزمن. لكن التطبيع الذي يتوقف عند عتبة التكامل العملياتي الفعلي يُنتج بنيةً ذات ثغرات واضحة. ويستغل الخصوم هذه الثغرات.
وتابعت الصحيفة: "لقد أثبتت إيران في غزة ولبنان واليمن أنها تفهم تمامًا كيفية العمل ضمن ثغرات الردع الإقليمي. إن الوجود العسكري المصري الذي يرفض علنًا الارتباط بالشبكة الأوسع يمنح طهران الثغرة التي تحتاجها بالضبط".
موافقة البرلمان على العمليات القتالية بالخارج
وأشارت إلى أنّ "اشتراط الدستور المصري موافقة البرلمان على العمليات القتالية الخارجية بأغلبية الثلثين شرطٌ قائم، كما أنّ مبدأ عدم التدخل المصري الراسخ خارج حدوده مبدأٌ حقيقي. لكنّ هذا المبدأ له استثناءات. فقد شاركت مصر في تحرير الكويت عام 1991 ضمن تحالف دولي. وهي ليست عاجزة دستوريًا عن الالتزام الخارجي الفعّال، بل هي غير راغبة سياسيًا في تحمّل التبعات الداخلية المترتبة على التوافق العلني مع إطار أمني أمريكي-إسرائيلي-خليجي، في وقت تسعى فيه أيضًا إلى الحفاظ على علاقات عمل مع طهران".
وشددت الصحيفة أنه ينبغي على واشنطن و(تل أبيب) وعواصم الخليج أن تدرك تمامًا ما تُحققه مصر فعليًا من خلال نشر قواتها. فمصر تُقدم تطمينات جزئية مقابل استمرار التدفقات المالية وادعاء مكانة إقليمية مركزية لم تستحقها بالكامل.
وأوضحت أن وجود الطائرات المقاتلة المصرية في أبوظبي يزيد من التكلفة المحلية للمضايقات الإيرانية، ولكنه لا يسد الفجوة الاستراتيجية التي تراقبها إيران. وطالما لم تُبدِ مصر استعدادها للعمل ضمن البنية المتكاملة بدلاً من العمل بمعزل عنها، فإن وجودها في الخليج يبقى مجرد رمز للتحالف الإقليمي دون أي مضمون حقيقي يُضفي عليه قيمة حقيقية.
https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/sjs4ufeggx

